الروائي إبراهيم الخضير في حوار ل ( ثقافة اليوم) عن روايته رحيل اليمامة:
ما أكتبه في رواياتي هو سيرة ذاتية خادعة وليس قضيتي تبشيع الأطباء النفسيين
حوار - طامي السميري
في رحيل اليمامة الصادرة حديثا للروائي إبراهيم الخضير نجد الشخصيات المأزومة ترهن مصائرها برؤية السارد الذي لا يكتفي بالرؤية السردية ولكن يتعمق في تلك الشخصية بكل مرجعيته النفسية وهو الطبيب المتخصص في مجال علم النفس.الرواية تكاد تصل إلى مرتبة الرواية البوليسية لولا أن السارد ينحاز إلى جعلها تفيض بالهم الاجتماعي والأوجاع النفسية .وفي هذا الحوار ل(ثقافة اليوم) يكشف لنا الروائي إبراهيم الخضير تفاصيل رحيل يمامته:٭ في رحيل اليمامة لم تبتعد كثيرا عن روايتك (عودة الأيام الأولى) ، حافظت على الرياض كمسرح لأحداث الرواية، وعن شخصية الطبيب منصور، وكذلك بعض الشخصيات تتشابه مع شخصيات الرواية الأولى. ماذا تمثل هذه القناعة بعدم التخلي عن تلك العوالم والاستمرار في تدوينها سرديا؟
- دعني أتحدث عن كتابة رواية رحيل اليمامة. الحقيقة أني بدأت كتابة رواية رحيل اليمامة في صيف 2002 عندما كنت في أعلى قمم جبال الألب السويسرية. كنتُ مُقيماً وحيداً في مستشفى للمرضى الأثرياء. لم أكن قد نشرت روايتي الأولى «عودة إلى الأيام الأولى». وكانت مخطوطة رواية «عودة إلى الأيام الأولى» معي. كنتُ قد كتبت رواية عودة إلى الأيام الأولى في عام 1991 وأنتهيت منها في منطقة ريفية شهيرة بسباقات الخيل اسمها أسكورت. كنتُ أقيم في منزل ريفي فخم يُشبه القصر، وكان مُخصص لي فيلا صغيرة أقيم فيها. أنهيت رواية عودة إلى الأيام الأولى، ولم يكن في نيتي أن أنشرها. وقد كتبتها بخطٍ صغير بقلم رصاص، وكان من الصعب قراءتها لأي شخصٍ غيري. حتى أني عندما أعطيتها لصديقي الأديب العراقي الدكتور جهاد الكُبيسي في شتاء عام 1996 ليقرأها، وكنت في رحلة عمل إلى القاهرة، كان يستعين بمُكّبر ليتسطيع قراءتها. ولم أكن مهتماً بنشر رواية عودة إلى الأيام الأولى. عندما قرأها الدكتور جهاد الكُبيسي، وهو صديق عمر، تعرّفت عليه عام 1976 في القاهرة، وكان هو من شجعني على نشر قصصي القصيرة في مجلة اليمامة منذ عام 1980 عندما كان صديق طفولتي في تبوك الشاعر عبدالله الصيخان يعمل في مجلة اليمامة. بما أني لم أكن أنوي نشر رواية «عودة إلى الأيام الأولى»، فقد كنتُ أستغل وقتي في سفري في كتابة رواية «رحيل اليمامة» لأني أيضاً لم أكن أنوي نشرها. كنتُ أكتبها بتأنٍ وجعلتها مُتداخلة مع رواية «عودة إلى الأيام الأولى». ولأني كنتُ لا أستقر في الرياض كثيراً فقد كانت الرياض تسكُنني أينما ذهبت، وأنظر إلى الرياض من الخارج، وهنا تُصبح الصورة مُختلفة عندما تنظر إلى المدينة التي تُحب وأنت خارجها.. لذلك جعلت الرياض مسرحا لأحداث الروايتين، لأني فعلاً أحُب الرياض، برغم أني شخص «بيتوتي» ونادراً ما أخرج من المنزل لغير العمل. لم أتخل عن عوالم الرواية الأولى لأني أكتب عما أعرف وعما يدور حولي، لإيماني بأن من يكتب عن نفسه وعما حوله هو الذي يكتب سيرة ذاتية خادعة (Pseudo Bibliography) بشكلٍ روائي فني بسيط. لذلك استمريت في السرد لنفس الأبطال والعوالم التي أعرفها جيداً وأستطيع الكتابة بثقة كبيرة إلى حدٍ ما، وهذا المجال تقريباً لم يتوغل فيه بصورة سردية أحد في السعودية من قبل - حسب علمي- مما يجعل الكتابة في هذه العوالم مُغرياً بالنسبة لي.
٭ الطبيب منصور الرجل السلبي الغارق في الكتب والأفلام والمكتفي بالحياة الضيقة والمتوهم بأنه يتماثل مع البرتومورافيا في عشقه لروما وهو عاشق للرياض.لكن منصوراً مأزقه ليس في محبته للرياض بل مأزقه في نظرته الطوباوية لتلك المدينة. هذه النظرة لا تتفق مع شخصية طبيب يدري بتفاصيل الحياة. هناك لبس في تلك المحبة. هل تفسره؟
- عشق الطبيب منصور للرياض كان نتيجةً لما حدث له فيها، لم يكن يعرفها بشكلٍ جيد، خارج نطاق العمل الذي كان يقوم به.. لذلك عندما أفصح ليمامة عن رغبته في كتابة كتاب، كانت هي الأكثر وعياً منه، ولكن مع ذلك أصّر على رأيه في عشقه لمدينة الرياض وأنه سوف يفعل ما فعل البروتومورافيا عندما كتب عن روما. الطبيب منصور الذي يعشق الرياض، عشقها لأنها مثلّت له مكاناً يرى فيه كل المتُناقضات، مثله مثل بطل رواية «الجحيم» للروائي الفرنسي هنري باربوس، حيث كان هذا البطل يعيش في فندق صغير وفي أعلى الغرفة التي كان يسكُنها، كانت هناك كوة يسمع ويرى منها كل ما يحدث في الغرفة المجاورة. كان يرى الجانب المُظلم من حياة الناس في الغرفة الملاصقة له، ثم يرى الجانب الرسمي للأشخاص بعد مغادرتهم للغرفة. ومع تبدّل السكان في الغرفة وعلاقة العاملين في الفندق ببعضهم، فخيانة زوجة مالك الفندق مع أحد العاملين، وكذلك خيانات مالك الفندق مع الموظفات في الفندق. وكذلك الأشخاص الذين يأتون للفندق بعلاقاتهم الخفية عن بعض؛ خيانات الأزواج والزوجات وحواراتهم التي يعتقدون أن لا أحدا يسمعها ولكن كان هو يسمع ويرى من خلال تلك الكوة والتي جعلته يعيش في «جحيم» بسبب إطّلاعه على كل هذه الأسرار!. العيادة النفسية هي الكوة التي كان منصور يرى منها المجتمع في الرياض، فبدلاً من أن يذهب هو إلى أي مكان، كانت الأحاديث والقصص الحقيقية، والتي تكشف المجتمع بكل عيوبه، وتناقضاته، إضافةً إلى ظهور شخصيات نادراً ما يُتاح لشخصٍ أن يراها في وضعها الحقيقي، بعيداً عن الهالات التي تُحيط بمثل هذه الشخصيات. من هنا ظهر التشوّش عند الطبيب منصور، لأن الحياة في مكانٍ يبدو من الخارج مُختلفاً تماماً عما هو في الحقيقة أمرٌ مشّوقٌ جداً، تجعل الشخص يعيش حياته مُعتمداً على هذه المُتعة. إذاً ليس محبة الرياض بالنسبة للطبيب منصور شيئا اعتباطيا، ولكن قد يكون به شيء من عدم الفهم الكامل للمكان الذي يُريد أن يكتب عنه، وربما هنا يظهر كيف يكون للمكان سحر برغم أن المكان ليس ساحراً على وجه العموم وكذلك تماهيه مع البرتومورافيا في محبته لروما التي عانى فيها البرتومورافيا كذلك بسبب مبادئه ومعتقداته السياسية اليساريه، بالإضافة إلى مرضه العضوي الذي جعله طريح الفراش مُعظم طفولته وفترة غير قصيرة من شبابه، لكنه مع ذلك أحبّ روما وكتب عنها بكل الحب الغامر برغم معاناته منها. المكان في الرواية أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة للكاتب، انظر إلى العدد الكبير من الكّتاب الغربيين الذين عاشوا في طنجة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي مثل بول بولز وجان جانيه وتنيسي وليامز وكتبوا أعمالاً روائية رائعة خلال إقامتهم الطويلة في طنجة عندما كانت مدينة دولية، لم يسكنوا ويعيشوا في طنجة بسبب «أنثروبولجي» ولكن لأسباب أخرى!. كذلك لورانس داريل الذي كتب رباعية الأسكندرية، وهذه الروايات الأربعة روايات رائعة عن الحياة الاجتماعية عندما كانت الأسكندرية مدينة يعيش فيها الكثير من الأجانب، خاصةً الجالية اليونانية الكبيرة التي كانت تعيش منذ أجيال في مدينة الأسكندرية، ولكن الرئيس جمال عبدالناصر طردهم من الأسكندرية. الروايات الاربعة للورانس داريل هي: «جوستن»، «بالتازار»، «ماونت أوليف»، و«كليا»، لقد كانت الأسكندرية هي المكان الذي تدور في أحداث الروايات الأربعة؛ حياة الأجانب «اللوطيين» واللصوص وتفاعلهم مع أهالي الأسكندرية، أعتقد أن هذه الروايات من أجمل ما كُتب عن الأسكندرية، وحسناً فعلت دار سعاد الصباح بترجمة هذه الروايات الأربع، ترجمةً جيدة قام بها الدكتور فخري لبيب. إنها الوجه الآخر للحياة الخفية في الأسكندرية حيث المومسات والقوادين والضباط المرتشون والشذوذ الجنسي المنتشر في المدينة. إن كل مدينة لها عدة أوجه. ما كتبته عن الرياض وعن الوجه الآخر للحياة في الرياض لا يعني نقصاً أو تخريباً للحياة في الرياض ولكن لكل مدينة وجهها الخفي البشع الذي لا يعرفه الكثيرون، وهذه مهمة الكاتب الذي أتاحت له الفرص أن يطّلع على هذه الحياة.
٭ لأول مرة أجد روائياً سعودياً يجرد بطل نصه فحولته. فيجعله في شخصية العاجز جنسيا. لكن هذا العجز يتحول إلى مصدر جذب للنساء. فيصبح يلعب دور المؤانس للمرأة أو الرجل المأمون جانبه. وهذا ما وجدته يمامة في الطبيب منصور.هل هذا تعويض لتلك الشخصية ومكافأة لها على جانب الفضح في مسألة العجز؟
- لا أعرف إذا كنتُ أول روائي سعودي يسلب بطل نصه فحولته! ولكن جميل أن تنقل لي هذه المعلومة. المشكلة في مفهوم الفحولة في ثقافتنا العربية والتي ترتبط إرتباطاً مباشراً بالقدرة الجنسية، أي أن الرجل الضعيف جنسياً يكون رجلاً غير فحل! وعدم الفحولة هذه تُلقي بظلالها بشكلٍ سلبي قوي جداً على الرجال في مجتمعاتنا. فالرجولة والفحولة مٌرتبطة بالقدرة الجنسية، حتى أن الرجل الضعيف جنسياً في بعض المجتمعات والثقافات يُعتبر «غير رجل»، أي أنه سُلب من جميع خصائصه الذكورية بسبب وضعه الجنسي، وهذا فيه عدم نضج فكري واجتماعي. فالمرأة لا تنظر للرجل: قيمةً ورجولةً بسبب قدرته الجنسية وإلا تحولنا إلى حيوانات لا تعمل عقولها؛ المرأة تنظر إلى الرجل من جوا
المزيد