الحب العذري صناعة عربية أو ابن حزم واجداده بنو عذرة! وطوق الحمامة لإبن رشد كما يراه الأسبان
كتبها dude abdalla الصديق عبدالله ، في 31 يوليو 2007 الساعة: 04:21 ص
يقع هؤلاء الباحثون في التعسف عندما يلحون على جذور ابن حزم الاسبانية والمسيحية أو يركزون على حكايتين أوردهما في "طوق الحمامة" حول غرامياته المبكرة في قرطبة يستنتج منهما أنه كانت لديه في مرحلة صباه نزعة حب عذري. فابن حزم شخصيته ليس فقط ذلك الفتى الذي هام بجاريتين من جواريه هياماً رومانسياً، وإنما هو أيضاً المتكلم والفيلسوف والفقيه والباحث واللغوي والمؤرخ والشاعر والثائر وعالم النفس والأخلاق ورجل الفكر والعمل السياسي والحالم. وفي كل هذه الجوانب كان ابن حزم واضح الانتماء إلى حضارته العربية الإسلامية لا إلى أية حضارة أخرى. بل هو معتز بهذا الانتماء اعتزازاً كبيراً، وهذا ما يستنتج من مصادر كثيرة في أدبه وفكره. وإذا كان ابن حزم قد انفتح على السوق الثقافي الاسباني الذي كانت تؤمنه له قرطبة والأندلس، من حيث التفاعل مع آداب قشتالية ولاتينية كانت موجودة في الاندلس الإسلامية إلى جانب الثقافة العربية الإسلامية، فإن هذا الانفتاح لا يلغي الأصالة. والأكيد أن ابن حزم لم يكن ضامر الثقافة العربية، أو موزع الذات بين هذه الثقافة والثقافة الأجنبية، وإنما كان في سياق حياته، وفي سياق عصره، مثقفاً وكاتباِ عربياً كاملاً. أما الذين يطاردون ابن حزم في مطاوي نفسه، أو في "اخفى طيات أعماق روجه"، كما يقولون، ليستنتجوا اسبانيته، أو ليفترضوا وجود مسيحية كامنة فيه. فإنهم يخالفون أبسط قواعد المنهجية العلمية. فمن التعسف وضع ابن حزم بين قمم الفكر الاسباني على امتداد كل العصور، في حين أنه، وبشهادة تراثه، عربي ومسلم كأي عربي أو مسلم آخر. أما الذين يتحدثون عن صفات نفسية فيه شبيهة أو مماثلة للصفات النفسية عند الاسبان ليستنتجوا اسبانيته، وليبعدوه ابعاداً تاماً عن العرب، فإنهم يقعون في الخطأ وفي العنصرية في آن، وكأن العرب لم يعرفوا في تاريخهم ما يمكن تسميته بمؤسسة مكارم الأخلاق، وهي مؤسسة لم تزدهر لدى أي شعب من شعوب العالم كما ازدهرت لدى العرب.
إذا كان ابن حزم يشيد بالصداقة، ويكره النفاق والكذب، ويناضل من أجل القيم العليا، فهل مثل هذه الصفات تبعده عن العرب وتلصقه بالاسبان؟
والواقع أن ابن حزم واضح العروبة والانتماء اليها دون سواها. فكتابه "جمهرة انساب العرب" هو أحسن قائمة بانساب العرب في الغرب الإسلامي. وكتابه "نقط العروس" هو رسالة موجزة عن تاريخ الخلفاء والحكام في المشرق والاندلس،. ولابن حزم رسالة في "بيان فضل الاندلس وذكر علمائه" وجاء المقري بنصها كاملاً في "نفح الطيب" وقد حررها ابن حزم رداً على رسالة تلقاها ابن عمه ابو المغيرة عبدالوهاب بن احمد بن عبدالرحمن بن حزم من أديب القيروان ابن الربيب التميمي، وربما كانت الأولى في تاريخ الأدب الأندلسي، وأول محاولة للاشادة بامجاده.
وابن حزم واضح، في كتبه، في عدائه للعقيدة المسيحيةومنافح قوي عن الإسلام.
والطريف أنه، على تساهله مع أهل الملل والنحل، في ما كتب عنهم، وقف موقفا متشدداً من اليهود حين تطلعوا إلى السلطة في الأندلس، وتجاوزوا حدود الأدب فاستطالوا على المسلمين، واستباحوا مقدساتهم. وناقش ابن حزم اليهودية كعقيدة، ودافع عن الإسلام بحرارة وصدق.
على أن أهمية ابن حزم تتبدى، أكثر ما تتبدى، في كتابه "طوق الحمامة" الذي ليس له مثيل في تاريخ الشعوب والحضارات القديمة. نقل هذا الكتاب إلى العديد من اللغات الحية المعاصرة، وأثار اهتماماً واسعاً مشابهاً للاهتمام الذي أثاره كتاب ألف ليلة وليلة. في "طوق الحمامة" تبدو شخصية ابن حزم في قمة توهجها حيث يلتقي الشاعر وعالم النفس والأديب ليرسموا لوحة جميلة نادرة للحياة العاطفية في الأندلس على أيامه.
لا يكاد القارئ يمضي خطوات مع ابن حزم في "طوق الحمامة" حتى يجد نفسه أمام نبض من ذكرياته، عن نفسه وعن أصدقائه، وآخرين مجهولين، وكلهم من العشاق: زفراتهم حارة، وأحاسيسهم صادقة، يخلطون المداد بالدمع، ويستخدمون في التراسل الحمام والعيون والرسل، ويعانون من الوشاة، ويموتون من الحب. وهو، الى جانب ذلك، معرض حافل بالحديث عن شيوخ ابن حزم، والشخصيات العامة في قرطبة، وبالاشارات التاريخية، والأحداث الهامة والحفلات الخاصة، وتخطيط العاصمة ومعمارها، ومساكن آل حزم ومستواها. وكلها تتحرك نابضة بالحياة، وتمضي متماسكة مثل عناقيد العنب. والكتاب قبل كل ذلك سيرة ذاتية لابن حزم، خطها بقلمه، واعترافات مخلصة باح بها في جرأة وصدق غير مألوفين في التراث القديم.
وإذا كان بعض الباحثين الاسبان يركزون على النزعة العذرية في كتاب "طوق الحمامة"، وعند ابن رشد شخصياً، ليؤكدوا انتماءه إلى التراث المسيحي، أو إلى التراث الاسباني السابق للمرحلة الاندلسية، فقد خاب سعيهم، فالنزعة العذرية من لزوميات تاريخ العشق عند العرب، وانطلاقاً منها كتب الشعراء العذريون العرب أمجد صفحات العشق وابقاها. بل أن هذه النزعة تنسب لآل عذرة، وهم قبيلة من قبائل العرب القديمة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منتدى ثقافي | السمات:منتدى ثقافي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























